ابن الأثير
47
الكامل في التاريخ
الطمأنينة وترك السعي في الخلاص ، حتّى عجّل اللَّه لهم النار في الدنيا قبل الآخرة ، فلمّا احترق البرج الأوّل انتقل إلى الثاني ، وقد هرب من فيه لخوفهم . فأحرقه ، وكذلك الثالث ، وكان يوما مشهودا لم ير الناس مثله ، والمسلمون ينظرون ويفرحون ، وقد أسفرت وجوههم بعد الكآبة فرحا بالنصر وخلاص المسلمين من القتل لأنّهم ليس فيهم أحد إلّا وله في البلد إمّا نسيب وإمّا صديق . وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين فبذل له الأموال الجزيلة والإقطاع الكثير فلم يقبل منه الحبّة الفرد ، وقال : إنّما عملته للَّه تعالى ، ولا أريد الجزاء إلّا منه . وسيّرت الكتب إلى البلاد بالبشائر ، وأرسل يطلب العساكر الشرقيّة ، فأوّل من أتاه عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ، وهو صاحب سنجار وديار الجزيرة ، ثمّ أتاه علاء الدين ولد عزّ الدين مسعود بن مودود بن زنكي ، سيّره أبوه مقدّما على عسكره وهو صاحب الموصل ، ثمّ وصل زين الدين يوسف صاحب إربل ، وكان كلّ منهم إذا وصل يتقدّم إلى الفرنج بعسكره ، وينضمّ إليه غيرهم ، ويقاتلونهم ، ثمّ ينزلون . ووصل الأسطول من مصر ، فلمّا سمع الفرنج بقربة منهم جهّزوا إلى طريقه أسطولا ليلقاه ويقاتله ، فركب صلاح الدين في العساكر جميعها ، وقاتلهم من جهاتهم ليشتغلوا بقتاله عن قتال الأسطول ليتمكّن من دخول عكّا ، فلم يشتغلوا عن قصده بشيء ، فكان القتال بين الفريقين برّا وبحرا ، وكان يوما مشهودا لم يؤرّخ مثله ، وأخذ المسلمون من الفرنج مركبا بما فيه من الرجال والسلاح ، وأخذ الفرنج من المسلمين مثل ذلك ، إلّا أنّ القتل في الفرنج كان أكثر منه في المسلمين ، ووصل الأسطول الإسلاميّ سالما .